حين تحولت النقود إلى سلاح: قصة عملية بيرنهارد لإسقاط اقتصاد بريطانيا في الحرب العالمية الثانية

 

عملية بيرنهارد الألمانية

المقدمة: 

في الحرب العالمية الثانية، لم تكن البنادق والطائرات وحدها أدوات القتال. خلف خطوط النار، دارت معركة خفية أخطر من القنابل، معركة استخدمت فيها النقود كسلاح، والحبر كقذيفة، والمطابع كمدافع. إنها قصة عملية بيرنهارد… حين حاول الألمان إسقاط بريطانيا دون إطلاق رصاصة واحدة.

الحرب حين تتجاوز ساحات القتال:

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، أدركت القوى الكبرى أن الانتصار لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية. الاقتصاد كان العمود الفقري للحرب، وإذا انهار الاقتصاد، انهارت الجيوش من تلقاء نفسها.
هنا ولدت فكرة شيطانية داخل أروقة الاستخبارات الألمانية:
ماذا لو أغرقنا بريطانيا بنقودها؟

ولادة عملية بيرنهارد;

في عام 1942، أطلق النظام النازي عملية سرية حملت اسم عملية بيرنهارد (Operation Bernhard)، نسبة إلى الضابط المسؤول عنها.
الهدف كان جريئًا وخطيرًا:
طباعة كميات هائلة من الجنيه الإسترليني المزوّر، بجودة لا يمكن تمييزها عن الأصل، ثم إدخالها إلى السوق البريطانية لإحداث تضخم هائل، وفوضى مالية، وانهيار ثقة الناس بالبنوك.

لماذا الجنيه الإسترليني تحديدًا؟

كان الجنيه الإسترليني آنذاك من أقوى العملات في العالم، وركيزة أساسية للتجارة الدولية. ضرب هذه العملة يعني:

  • زعزعة ثقة العالم بالاقتصاد البريطاني

  • إضعاف قدرة بريطانيا على تمويل الحرب

  • خلق تضخم وفوضى داخلية

  • شل النظام المصرفي بالكامل

بعبارة أخرى: انتصار بلا معركة.

مطابع داخل معسكرات الاعتقال:

الأكثر رعبًا في القصة هو مكان التنفيذ.
أنشأ الألمان مطابع سرية داخل معسكر الاعتقال زاكسينهاوزن، وجلبوا أفضل:

  • مزوري العملات

  • الرسامين

  • الطابعين

  • خبراء الورق والحبر

هؤلاء السجناء كانوا يعيشون مفارقة قاتلة:
نجاحهم في التزوير يعني استمرار حياتهم… وفشلهم يعني الموت.

تزوير يتحدى البنوك:

بلغت دقة التزوير مستوى مذهلًا:

  • الورق مطابق تمامًا للأصلي

  • العلامات المائية منسوخة بدقة

  • الأرقام التسلسلية مدروسة بعناية

  • حتى روائح الحبر والملمس تم تقليده

لدرجة أن بنوكًا بريطانية رسمية لم تستطع التمييز بين النقود الحقيقية والمزورة.

ملايين الجنيهات في السماء:

تشير الروايات إلى أن ألمانيا طبعت عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.
وكانت الخطة تقضي بـ:

  • إسقاط الأموال من الطائرات

  • تهريبها عبر جواسيس

  • استخدامها لتمويل عمليات سرية

لكن المفاجأة أن الخطة لم تُنفذ بالكامل كما أُريد لها.

انكشاف المؤامرة:

بدأت بريطانيا تلاحظ أمرًا مريبًا:

  • أوراق نقدية بلا مصدر واضح

  • أرقام تسلسلية متكررة

  • تداول غير طبيعي للنقود

سرعان ما أدركت الاستخبارات البريطانية أن هناك هجومًا اقتصاديًا غير مسبوق.

الرد البريطاني الذكي:

هنا يتحول التاريخ إلى سخرية سوداء.
بعد الحرب، يُقال – وتبقى الرواية محل جدل تاريخي – إن بريطانيا:

  • استخدمت بعض تلك النقود المزورة

  • لسداد ديون أو التزامات مالية

  • كانت موجهة لألمانيا نفسها

إن صحت الرواية، فهي واحدة من أذكى وأجرأ الردود في تاريخ الحروب الاقتصادية.

هل نجحت عملية بيرنهارد؟

الإجابة المختصرة: جزئيًا فقط.
لم ينهَر الاقتصاد البريطاني، لكنه:

  • تكبّد خسائر

  • اضطر لتغيير تصميم العملة

  • فقد الثقة مؤقتًا في نظامه النقدي

أما ألمانيا، فقد أثبتت أن الحروب لا تُخاض دائمًا بالرصاص.

دروس من حرب بلا دم:

عملية بيرنهارد علمتنا أن:

  • الاقتصاد هدف سهل وخطير

  • الثقة هي العمود الفقري للعملات

  • الحروب الحديثة تبدأ في البنوك قبل الجبهات

وأن أخطر الأسلحة… قد تكون ورقة نقد في جيبك.

الأسئلة الشائعة (FAQs)

ما هي عملية بيرنهارد؟

هي عملية سرية نازية لتزوير الجنيه الإسترليني خلال الحرب العالمية الثانية لإسقاط اقتصاد بريطانيا.

هل كانت النقود المزورة متقنة فعلًا؟

نعم، لدرجة أن البنوك البريطانية لم تستطع تمييزها.

هل انهار الاقتصاد البريطاني؟

لا، لكن العملية سببت اضطرابًا ماليًا وأجبرت بريطانيا على تغيير عملتها.

هل سددت بريطانيا ديونها بأموال مزورة؟

هي رواية شائعة ومثيرة، لكنها محل جدل تاريخي.

الخاتمة (Conclusion)

قصة عملية بيرنهارد ليست مجرد حكاية من الماضي، بل تحذير دائم من أن الحروب تتغير، لكن أطماع السيطرة لا تتغير أبدًا.
حين تتحول النقود إلى سلاح، يصبح الاقتصاد ساحة المعركة، ويصبح المواطن هو الجندي الأول دون أن يدري.


تعليقات