صباحٌ في المساء: حكاية الأعرابي الذي قلب معنى التحية وولادة التطبيل

 

صورة بديلة (alt): وجهان—أعرابي شاعر وأمير في مجلس ليلي، والإضاءة تلامس وجوههما.

المقدّمة:

في ساعةٍ لا تُقاس بالساعة، فتح المساءُ بابَهُ وادَّعى الصباحُ دخوله؛ حدثٌ بسيط يقلب موازين المجاملة، ويُعلّمنا أن الكلماتَ أحيانًا لها حياةٌ تختلف عمّا نُريد. اقرأ ذلك المشهد كما لو أنه مرآة: ما ترى فيه ليس دائمًا ما يريده من نطقها.

السرد:

دخل أعرابيٌ على أحد الأمراء مساءً؛ لم يكن في يده إلا صبر البرية وسذاجة الريف. دخل بابتسامة بسيطة، وردَّ السلام بلفظٍ لم يَعُد الأميرُ يتوقعه من زائرٍ بين ظهرانيه. قال الأعرابي —ببراءة لا تعرفُ مراتب المجالس—: "صباح الخير!!!"

ارتعد جوُّ القصر للحظة. توقفت كأسات الشاي في الهواء، وتذكَّر الحاضرون فروضَ اللياقة والتوقُّع. غضب الأمير. لم تخلُ مكانة الأمير من كبرياءٍ قد يختفي أو يتصاعد بلمحة؛ نظر إلى الزائر نظرة توهج فيها سؤالان: هل يستهزئ بي؟ أم يمزح معي؟

شعر الشاعر الموجود في المجلس، ذلك الرجل الذي يعرف كيف يحيك الكلام على لحظات الجبن والغرور، بأن الوقتَ قد حان لإنقاذ الموقف أو لإشعال حكاية. أدرك الشاعر أن خطأ الأعرابي لا يتطلب سجناً ولا عقاباً؛ بل يحتاج إلى لحنٍ يغلِّفه ويُعيد المقام إلى ما كان. فنهض مرتجلاً، وهتف ببيتين تراهما الناس في تلك اللحظة مخرجًا، أو قفلًا على العتاب:

"صَبَّحتُهُ عند المساءِ فقالَ لي
تَهَذا بقَدري أَم تُريدُ مِزاحا
فأَجبتهُ إِشراقُ وجهكَ غَرَّني
حتى تَوَهمتُ المساءَ صَبَاحا!!!"

كان في هذه الأبيات تحويرٌ لغويٌّ ذكيّ: قلب الزمن والمعنى بطريقةٍ تجعل الخطأ يتحول إلى مديحٍ فنيّ. لا يكتفي البيت بتهذيب الخطأ، بل يضيء على شيءٍ آخر —إشراق الوجه— يجعل الحديث عن المقام ثانويًا أمام سطوع حضور إنساني. طرب الأمير، وابتسمَ الموسيقا الخفيّة في قلبه، ثم أجزل له العطاءُ كما تُجزل الأمور للسعيدات الذكريات.

ومن هنا، تقول الرواية بحس فكاهيٍّ لا يخلو من موعظةٍ: "هذه الحادثة كانت بداية التطبيل في العالم!" — أي أن المجاملة الفنية، والمبالغة في مدح من يمنحك، ربما وُلدت في تلك الجملة، أو على الأقل نُسِجت حولها أولى نغمات المدح المتملق.

ثم تأتي روايةٌ ثانية، تُذكّرنا بأن التاريخ لا يكتب بسطرٍ واحدٍ، وأن الحقائق تفرُقها النوايا. تقول هذه الرواية: خرج الأعرابي مع الأمير في رحلة صيد. ألقى الأمير سهمًا أو رمحًا على غزالٍ فلم يصبه؛ فلما رأى الأعرابي ذلك قال له "أحسنت". لم تفهم عبارة الأعرابي على النحو الذي أراد الأمير سماعه؛ غضب الأمير وسأل: "أتهزأ بي؟" فأجاب الأعرابي ببساطة: "يا سيدي، لقد أحسنت إلى الغزال إذ أنك لم تصبه". تحوّل الجوّ من تهمة إلى سخرية ذكية تُظهر رأيًا لا يتماشى مع مفاهيم الفخر، لكنها تُذكّر بأن الكلام قد يكون مرآةً صادقةً أو قناعًا متعمّدًا.

كلا الروايتين تتشابهان في جوهرٍ واحد: أن اللاوعي المجتمعي تجاه السلطة يحوّل أبسط الكلمات إلى أحكام ولجامات. وأن اللباقة —حين تُحوَّل إلى شعرٍ أو حكمة— قادرة على تحويل غضبٍ محتمل إلى مزاحٍ أو إلى عطية.

تحليلٌ مختصر:

  • لغة المقام مقابل لغة الريف: الأعرابي لا يعرف أطر البروتوكول، فيتلفظ بما يشعر؛ أما الأمير فما يعيه هو المكانة والشكليات. هذا التباين هو مادةٌ سردية غنية.

  • قوة البلاغة: ردّ الشاعر بمجازٍ ذكيّ جعل من الهفوة وسيلة للاحتفاء بدل الاحتقار. البلاغة هنا تصلح كسلاحٍ وقناعٍ إن لزم.

  • التطبيل والريشه: التطبيل—بمعناه الاجتماعي—ليس دائمًا مدحًا بريئًا؛ أحيانًا هو عملٌ مدروس لإرضاء مَن بيدهم القرار، وأحيانًا هو فنٌ لبق يُسلم السلامة الاجتماعية.

  • القيمة الأخلاقية: هل التصحيح بالمدح حقنةٌ مُخادعة أم بلسمٌ إنساني؟ الرواية تترك المسألة للاختبار الذهني للقارئ.

لماذا تستحق الحكاية أن تُروى اليوم؟

لأنها تعكس مواقف يومية: سوء تفاهم بسيط يتحول إلى أزمة. وتعلّمنا كيفية استخدام اللغة للتخفيف لا للتصعيد. وفي زمن التواصل السريع، قد تكون أمثلة مثل هذه دليلًا على أن المرونة البلاغية توفر مخرجات أفضل من التصلب في الأحكام.

أسئلة شائعة (FAQs)

س: هل القصة حقيقية أم خرافية؟
ج: لا توجد مصادر تاريخية مؤكدة تربط الواقعة بشخصيات محددة؛ هي حكاية شعبية تروى للتسلية والتأمل في الطبائع البشرية.

س: من هو الشاعر الذي أنقذ الموقف؟
ج: في السرد التقليدي لا يُسمى الشاعر غالبًا. كون الشاعر بلا اسم يجعل القصة عامةً وشاملةً لملكات البلاغة عند أي إنسان.

س: ما المقصود بالتطبيل هنا؟
ج: التطبيل قد يعني المدح المبالغ فيه لخدمة غرض؛ ورمزياً تُستخدم الحكاية للإشارة إلى بداية ظاهرة اجتماعية في الإفراط في المديح أمام السلطة.

س: هل هناك عبرة أخلاقية من الحكاية؟
ج: العبرة أن الكلمات لها تأثير؛ وأن الحكمة واللباقة يمكن أن تداوي خلافًا أو تعيد توازن المجلس. أيضاً تذكرنا بأهمية فهم السياق قبل إصدار الأحكام.

س: كيف أستفيد من الحكاية في حياتي اليومية؟
ج: استخدمها كدرس في اختيار الكلمات، كَدليل على أن تغيير صياغة الجملة قد يغيّر النتائج، وكوسيلة لتذكير نفسك بأن المجاملة الفنية قد تُقلب مواقف حادة إلى علاقات إيجابية.

الخاتمة:

قصة الأعرابي والأمير والشاعر ليست مجرد طرفة؛ بل مرآةُ أصغر تعكس أكبر مشكلاتنا في التواصل. تُعلّمنا أن الصوت الصدوق، أو البيت المرتجل، قد يكون سبيلًا إلى التفاهم، وأن اللباقة—حين تُستخدَم بذوق—توانس الأسد وتجعل القصر يغدق عطاياه. احتفظ بهذه القصة كذكرى مفادها أن التحية أحيانًا ليست ما تبدو عليه، وأن أشدّ المواقف سخريةً قد تحمل بذور المديح.


تعليقات