المقدمة المختصرة:
في قصص الملوك والوزراء نجد دروسًا لا تنتهي، منها ما يُروى للضحك، ومنها ما يُحفر في الذاكرة عبرةً لمن يعتبر.
هذه القصة من حكايات الزمن القديم تكشف كيف يمكن للشهوة أن تُعمي البصر والبصيرة، وكيف يسقط الناصح في ذات الفخ الذي حذّر منه غيره.
القصة:
في قديم الزمان، كان هناك ملك مغرم بالجواري، يقضي وقته بينهن غافلًا عن شؤون الحكم والرعية.
وكان له وزير حكيم يحبه الملك كثيرًا، ويثق برأيه، وكان لا يخشى في الحق لومة لائم.
ذات يوم، اقترب الوزير من الملك وقال له بنبرة ناصحة:
"يا مولاي، إن الانغماس في الشهوات يُضعف الملوك، ويكسر هيبتهم أمام الناس. فليس من شأن الملك أن يُفتن بالجواري حتى يغيب عن مهامه."
تأمل الملك كلام وزيره مليًّا، لكنه شعر بالضيق في قلبه. فالكلام، وإن كان صوابًا، كان يمس ضعفه، ويجرح كبرياءه.
ومنذ تلك اللحظة تغيّر الملك على جواريه، وأعرض عنهن فجأة.
💃 الجارية الماكرة:
لاحظت إحدى الجواري المقربات من الملك، وهي جارية ذات جمال فائق وذكاء حاد، أن الملك لم يعد يقربها كالسابق.
فقالت له يوماً بخبثٍ ممزوجٍ بالحنان:
"يا مولاي، ما هذا الصدود غير المعهود؟ ما الذي غيّرك فجأة؟"
أجابها الملك وقد بدا عليه شيء من الحرج:
"وزيري فلان نهاني عنكن، وقال إن الجواري لا تليق بالملوك."
ابتسمت الجارية ابتسامة ماكرة وقالت:
"وهل يجرؤ أحد أن ينهى مولاه عن ما يحب؟ هبني له يا مولاي، وسترى ما أصنع به."
ثار الفضول في نفس الملك، وأراد أن يرى إلى أين ستصل حيلتها، فوافق على طلبها، وقال مبتسمًا:
"قد وهبتك له، فافعلي ما تشائين."
الوزير يقع في الفخ:
استُدعي الوزير إلى القصر، وأخبره الملك أنه قد وهب له الجارية الجميلة.
شكر الوزير مولاه شاكرًا عطاياه، ولم يدرِ أن هذه الهبة ستكون البلاء الذي يسقط به من عليائه.
بدأت الجارية تتودد إليه وتغريه بكلماتها الناعمة، وتطعمه من لسانها عسلاً، حتى تمكن حبها من قلبه.
وذات ليلة قالت له بصوت خافت:
"أريد أن أخلو بك، لكن بشرط…"
قال لها الوزير وقد غلبه الهوى:
"لكِ ما تشائين."
قالت:
"شرطي أن أركبك كما تُركب الدواب، وتسير بي وأنا على ظهرك أمام الجميع."
تردد الوزير قليلًا، لكن غنجها وسحر كلماتها تغلّبا على عقله، فقال:
"لكِ ذلك."
فركبته كما تُركب الدواب، وهو يسير على أربع، وهي تمسك شعره كأنها لجام فرس.
وفي تلك اللحظة، أوصت الجارية إحدى الجواري أن تذهب وتدعو الملك لرؤية المشهد.
⚖️ الفضيحة الكبرى:
دخل الملك ومعه الحرس إلى المكان، فرأى الوزير الذي كان ينصحه يومًا، راكعًا على الأرض كدابة، والجارية فوق ظهره.
وقف الملك مشدوهًا للحظة، ثم قال بغضبٍ ممزوجٍ بالسخرية:
"ما هذا يا وزير؟ أنت الذي كنت تنهاني عن الجواري، وترى أنك أحكم مني؟!"
رفع الوزير رأسه بخجل، وصوته يرتجف وهو يقول:
"يا مولاي… هذا ما كنت أخاف أن يفعلن بك!"
ساد صمتٌ عميق، ثم انطلقت ضحكة الملك، ضحكة ممزوجة بالأسى والدهشة.
لقد أدرك أن الضعف الإنساني لا ينجو منه أحد، وأن من يحذر غيره قد يقع أولًا في الفخ.
العبرة من القصة:
هذه الحكاية رغم طرافتها تخفي وراءها درسًا عظيمًا في النفس البشرية.
فالشهوة إن لم تُضبط بالعقل، أذلّت أقوى الرجال، وأسقطت أعتى الملوك.
وليس العجب أن يُفتن إنسان، بل العجب أن ينسى أنه بشر قابل للخطأ.
الوزير كان حكيمًا في قوله، لكنه غفل عن أن النصيحة بلا تجربة لا تصنع مناعة.
وحين جاءت التجربة، سقط في ما كان يحذر منه غيره.
الدروس المستفادة:
-
لا تظن نفسك فوق الخطأ مهما بلغ علمك أو عقلك.
-
الهوى إذا سيطر على القلب، أعمى البصر والبصيرة.
-
من يحذر غيره من النار، عليه أن لا يقترب من شرارتها.
-
الحيلة أحيانًا تُظهر ضعف الإنسان أكثر من قوته.
-
العبرة ليست في الموقف، بل في الفهم الذي يليه.
الأسئلة الشائعة (FAQs):
1. من هو الملك المذكور في القصة؟
القصة رمزية من الأدب العربي القديم، ولا يُقصد بها ملك بعينه، بل تمثل نموذجًا بشريًا متكررًا.
2. هل هذه القصة حقيقية؟
ليست تاريخية، لكنها من حكايات التراث التي تُروى للعبرة والموعظة.
3. ما المغزى الأخلاقي من القصة؟
أن الشهوة والغرور قد يوقعان الإنسان في نفس الفخ الذي يحذر منه الآخرين.
4. لماذا استخدمت الجارية هذا الأسلوب؟
لتكشف للملك أن حتى الوزير الحكيم يمكن أن يُغلب بالهوى، وأن النصيحة لا تعني العصمة من الخطأ.
5. ما الرسالة النهائية للقارئ؟
أن من يملك نفسه وقت الشهوة هو أعظم الملوك، لأن ملك الجسد أهون من ملك النفس.
🕊️ الخاتمة:
هكذا تُخبرنا حكايات الزمن القديم أن الإنسان مهما علت مكانته يبقى أسيرًا لهواه إن لم يضبطه.
فالعاقل ليس من لم يسقط، بل من يتعلم من سقوط غيره.
ولعل الوزير الحكيم، بعد خزيه ذاك، فهم أن الوعظ لا يغني عن التجربة، وأن النفس تحتاج جهادًا لا كلمات.
اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد.